أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

182

العقد الفريد

فإنها هي انتجعتنا . وهذا من التعنّت الذي لا انصاف معه ، لان قوله : انتجعي بلالا ، إنما أراد نفسه ، ومثله في كتاب اللّه تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها « 1 » ، وإنما أراد أهل القرية وأهل العير . وكان عمر بن الخطاب يقول في بعض ما يرتجز به من شعره : إليك يعدو قلعا وضينها * مخالفا دين النصارى دينها « 2 » فجعل الدين للناقة ، وإنما أراد صاحب الناقة . ولم تزل الشعراء في أماديحها تصف النوق وزيارتها لمن تمدحه ، ولكن من طلب تعنتا وجده ، أو تجنيا على الشاعر أدركه عليه ، كما فعل صريع الغواني بالحسن ابن هانئ حين لقيه ، فقال له : ما يسلم لك بيت عندي من سقط ! قال : فأي بيت أسقطت فيه ، قال : أنشدني أي بيت شئت . فأنشده : ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا * وأملّه ديك الصّباح صباحا فقال له : قد ناقضت في قولك ، كيف يمله ديك الصباح صياحا ، وإنما يبشره بالصبوح الذي ارتاح له ! فقال له الحسن : فأنشدني أنت . من قولك . فأنشده : عاصى العزاء فراح غير مفنّد * وأقام بين عزيمة وتجلّد قال له : قد ناقضت في قولك ، إنك قلت : عاصى العزاء فراح غير مفند ثم قلت : وأقام بين عزيمة وتجلد فجعلته رائحا مقيما في مقام واحد ، والرائح غير المقيم . والبيتان جميعا مؤتلفان ، ولكن من طلب عيبا وجده .

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية 82 ( 2 ) الوضين : بطان منسوب بعضه على بعض يشدّ به الرجل على البعير .